جوجنهايم أبوظبي: متحف تلتقي فيه الثقافات

 

قبل جزيرة السعديات، امتدت حكاية جوجنهايم على شواطئ أخرى. بدأت في نيويورك مع متحف جوجنهايم الحلزوني الذي صممه فرانك لويد رايت في حي مانهاتن عام 1959. وفي البندقية، قدّمت مجموعة بيغي جوجنهايم تجربة مختلفة، قصر منخفض على ضفاف القناة الكبرى حيث تتلاشى السريالية والتعبيرية التجريدية في طابع شخصي أقرب إلى الحوار. ثم جاءت بلباو عام 1997، أشرعة التيتانيوم التي صمّمها فرانك غيري على نهر نيرفيون. وعلى امتداد الطريق، ظهرت تجارب أخرى ثم خف بريقها، لاس فيغاس، برلين، كلها كانت جزء من اختبار حدود فكرة المتحف العالمي. أما أبوظبي، فتمثل الحضور الأول في العالم العربي، والأوسع حتى اليوم. ومن المقرر افتتاح جوجنهايم أبوظبي عام 2026.

 

 

تصميم معماري بتوقيع فرانك غيري

يحمل المتحف بصمته المعمارية اللافتة من تصميم فرانك غيري، المعروف بأعماله البارزة مثل متحف جوجنهايم في بلباو. وفي أبوظبي مؤخراً، تخيّل غيري متحف لا يشبه أي من سابقاته، تشكيل معماري بارتفاع 88 متر يتكوّن من تسع كتل تعلوها أشكال مخروطية، ترتبط بجسور زجاجية وتراسات مضاءة بالشمس.

وعلى مساحة تبلغ 30 ألف متر مربع، تتوزع على 28 قاعة عرض متفاوتة الحجم، ومنصات عرض خارجية تمتد على 23 ألف متر مربع، إضافة إلى مساحات للدراسة والعروض الحيّة، كما تشمل مسرح يتسع لـ 230 مقعد ومختبر متخصص لحفظ وترميم الأعمال الفنية.

استلهم غيري إيقاع العمارة في المنطقة من تكرار القباب والمآذن، إلى تفاعل الضوء مع الحجر الفاتح، ثم أعاد صياغتها بشكل معاصر. يمزج التصميم بين الروح الإسلامية والتشكيل الحديث، في عمل وصفه غيري بأنه خلاصة مسيرته المهنية.

حتى وهو لم يكتمل بعد، يحمل المبنى ملامح مركز فني متعدد الأبعاد، متحف وقاعة تعليم، ومنصة مفتوحة. وعند افتتاحه، سيكون الأكبر ضمن شبكة جوجنهايم، صوت جديد في حكاية تمتد من نيويورك إلى البندقية، ومن بلباو إلى أبوظبي.

 

مجموعة فنية عالمية بروح محلية

على الرغم من أن العمارة تخطف الأنظار، فإن روح متحف جوجنهايم أبوظبي تكمن في مجموعته وطموحه. إنه متحف يسعى إلى توسيع سردية الفن الحديث والمعاصر خارج إطارها الغربي المألوف، ليفتح المجال لأصوات أوسع تمتد من غرب آسيا وشمال أفريقيا إلى جنوب آسيا، وهي مناطق طالما وضعت في هامش روايات القرن العشرين الفنية.

الهدف هو تتبع الخيوط التي تربط بين الحركات المحلية والإقليمية والعالمية. وعلى مدى خمسة عشر عام، جمع برنامج الاقتناء ما يقارب ألف عمل فني، من بينها أعمال لجولي مهريتو، وضياء العزاوي، ونجاة مكي، والراحل حسن شريف، الذي أسهمت تجاربه في تشكيل المشهد الفني في دولة الإمارات. كما دُعي فنانون لإنتاج أعمال جديدة في الدولة، بعضها طموح للغاية، صُمّم ليتناسب مباشرة مع عمارة فرانك غيري.

وقد ظهرت ملامح هذه الرؤية بالفعل من خلال معارض مثل “الرؤية عبر الضوء” (2014) و“الفعل الإبداعي” (2017)، اللذان أقيما في أبوظبي، وقدما للجمهور أعمال لفنانين مثل لاري بيل، ودان فلافين، و أنيش كابور، في إشارة واضحة إلى التزام المتحف بالفن الحديث العالمي وبالنسيج الثقافي للمنطقة.

 

الأهمية الثقافية في الإمارات والعالم

رهان أبوظبي على الثقافة ليس رهان عابر. ففي دولة تسعى إلى بناء هوية تتجاوز حدود الثروة النفطية فقط، أصبحت المتاحف والمعارض رموز للمعرفة والسياحة والقوة الناعمة. ويشكّل الحي الثقافي في السعديات الإطار الذي يحتضن هذا الطموح، مع افتتاح متحف اللوفر أبوظبي، وترقّب متحف زايد الوطني، إلى جانب متحف جوجنهايم أبوظبي قريباً، الذي سيصبح ركن أساسي على الواجهة البحرية للعاصمة.

تكمن أهمية جوجنهايم في كونه الأول في العالم العربي ضمن شبكة تمتد من نيويورك إلى البندقية، ومن بلباو إلى أبوظبي، بهدف إعادة صياغة قصة الفن الحديث. وسيضع المتحف فناني الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا في حوار مباشر مع نظرائهم في الغرب، مقدّماً رؤية أوسع وأكثر عمقاً من السرديات التقليدية.

ومنذ أن أثبتت تجربة بلباو أن متحف واحد قادر على إنعاش مدينة، يُتوقع أن يبرهن جوجنهايم أبوظبي أن الفن يمكن أن يكون جسر ثقافي ومحرك اقتصادي ومعْلم مدني يجمع بين الشرق والغرب.

 

مقارنة مع جوجنهايم نيويورك وبلباو

بصفته الأحدث ضمن عائلة متاحف جوجنهايم، يفتح متحف أبوظبي باب المقارنة مع نظيريه في نيويورك وبلباو. تبلغ مساحة متحف أبوظبي 30 ألف متر مربع، متفوقاً على بلباو (24 ألف متر مربع) ومتجاوزاً بكثير متحف نيويورك الذي لا تتعدى مساحته 5 آلاف متر مربع، إذ صُمّم في زمن سابق لظهور المتاحف الضخمة.

يتميز متحف نيويورك بفراغه الحلزوني المركزي، أما جوجنهايم أبوظبي، فقد صُمّم برؤية تقوم على التعدد والاتساع، مع قاعات واسعة وتراسات مفتوحة وأعمال تركيبية يصعب احتواؤها في فضاء مانهاتن الضيق.

وبينما يشترك مع بلباو في الجرأة المعمارية والاهتمام بالفن المعاصر، فإن بوصلته تمتد أبعد، فبدلاً من التركيز على الغرب فقط، يجمع أعمال من الشرق الأوسط وجنوب آسيا وأفريقيا وغيرها، واضعاً إياها جنباً إلى جنب مع الأسماء الأوروبية والأمريكية.

 

مع اقتراب افتتاح متحف جوجنهايم أبوظبي في عام 2026، يبقى الاختبار الحقيقي في كيفية عمله يومياً. تستلهم كتل فرانك غيري المخروطية التسع أبراج الرياح التقليدية، لتشكّل مسارات مهوّاة عبر الساحات والجسور، بينما تسهم الكتل والتراسات في تخفيف الحرارة والتحكم في الإضاءة.

ويُنفذ المشروع عبر تحالف تقوده شركة بيسيكس البلجيكية، التي تحوّل التصاميم إلى قاعات عرض وتراسات حقيقية. وهكذا، يتجسّد المتحف كمعلم ثقافي على ضفاف الخليج، صُمّم للرؤية والتعلّم والتبادل الثقافي، في لحظة تلتقي فيها الفنون مع الجغرافيا والتاريخ.